بقلم نهى بوعزيزي

قطرات مياه نافذة. حذاء « بوتس » مُدَوٍّ. غرفة تحقيق. يد تفتح بابًا. يتكاثف الغموض ويُقَرْفِصُ في السّواد، يلفّ أُطُرَ المَشاهد وخلفيّاتِها. يتصاعد نسق اللقطات. ننتظر لقطةَ الفَوَران التي نتكهّن بأنّها ستأتي…  وننتظر كذلك تفسيرًا سيتْبَعُها. فنحن، المتفرّجون، نحذق صنفَ الإثارة ونتعرّف عليه. ويبدو أنّ الفيلم كذلك يحذقه ويداعب فينا هذا التّرقّب.
يد المحقّق. وجه المتّهم. يد. وجه. يد. وجه. يد. وجه. خبطة.
المحقّق: « علاش قتلتها؟ ». ها هي لقطة الفوران! ويتلوها الهدوء:
عيونٌ حالمة. يُتاح لنا أن نتفرّس مليّّا في ملامح المتّهم بعدما لَقَطْنا منها عينًا حادّة تحتلّ الشّاشة وجسدًا مُنهَكًا. ينشرح ويشرد ونشرد معه. الآن، تَحُفُّ الصّفرةٌ بالمَشاهِدِ مكانَ الظّلام. يمتدّ الحقل وتٌهَرْوِلُ به فتاة. موسيقى بيانو وشمسُ مَغيبٍ في سِباق نحو الشّاعريّة. والولدُ المتّهَم يلحق بالفتاة ويُصوّرها. بين السّنابل، يطارد يدَها فَشَبَحَها، فَشالَها القاني. هنا، ينضافُ عمقٌ إلى بطل الفيلم. نرى فيه الحلمَ والحبّ والموهبة. قبل أن نعبّ كفايَتَنا، تتسارع اللّقطات من جديد، وتُجْهَضُ الرَّهافة. كأنّ ومْضَةَ المشاعر انتهت وحان الوقت لنعود إلى فيلم الإثارة.
تتصاعد الموسيقى، وتتداخل إيقاعاتُها كهَرْوَلاتِ شخصٍ يهرب من ذاته ويصرخ: اِستعدّّوا للقطة فوران ثانية! 

وبعد الفَوَران، نُكافَأُ بنَفحَاتٍ جديدة من الهدوء والبطء – يبدو أنّني أترقّبها أكثرَ من لقطات الإثارة، إذ تكشِفُ الكثيرَ. لا أعني أنّها تفسّر غُموضَ الفيلم، بل إنّني ألمس فيها هَشاشةَ الشخصيّة وتطلّعاتِها؛ بُعْدَها الحقيقيّ. في حَرَكةٍ بسيطة مثلاً، تكشف الكاميرا في مَسارِها عن كتابات وكاميرا فسجائر فوجه الفتى. يحيلنا المشهدُ على عناصر كينونته؛ يبدو أنّه فنّان مُجهَدٌ يُسهّدُه الفكر.
رغم أنّ هذه اللّقطات هي التي تكشف لنا الجزءَ الأكبر من هشاشته، إلّا أنّها ليست عمدةَ الفيلم، بل تُشكِّل هوامشَه. نستقي من خلالها معنًى لفيلم الإثارة والتشويق الذي شاهدناه. وتضفي هذه المشاهدُ عمقًا على غرفة التحقيق والمطاردة. عندما نجد أنّ فيلمَ الإثارة منفصلُ النبرة عنها تمامًا، نحاول أن نُسقط معناها ورهافتها عليه، استعارةً أو مجازًا…
ألا تحمل لقطات التّشويق معنى مستقلّا قائمَ الذّات؟ إلى درجة أنّها احتاجت إلى تطعيمٍ من مشاهد مختلفة النبرة تمامًا؟
أبعد من ذلك، هل تحمل معنى التشويق أصلا أم تقتصر على مُقوّماته؟ وهل يحصل التشويق إن كان منفصلا عن القصّة؟ هل يثير الجمهورَ تسريعُ اللقطات وتركيزُها على حذاء بوتس؟ ربّما. وربّما لا تثيرنا أنماطُ الإثارة – لكثرة ما درَجَت وما تعوّدنا على تتبّعها – بقدر ما تدفعنا إلى أن نحفر فيها، عَلَّنا نجد فيها بعدًا من الحقيقة. ربما ضَمَّنَ الفيلم هذه الحقيقةَ بالمشاهد الموازية الهادئة. لكنّ التّساؤل يبقى: لِمَ اختار أن ينضمّ لصنف التّشويق؟ هل يمكن أن يمثّل هذا الصنفُ فعلاً وسيلةَ تعبيريّة عن حلم ووجوديّة، أم أنّه يُستَعارُ فقط لكونه نَمَطًا نحذقه جيّدًا؟