بقلم أنيس قريعة
على وقْعِ فاصلٍ موسيقي مُحفّـِز للإثارة يُرافق مشهدا روائيا مُـكوَّنًا من لقطتين سريعتين تجسّدان كابوسا تعيشه الشخصيةُ الرّئيسية، يستهلّ بسّام بلقاسم الجباهي فيلمَه الوئائقي « 20 يوما بتوقيت بوزويدة » بطريقة غير مُنتظرة. يلي ذلك الاستهلالَ مباشرةً نغمٌ ميلودرامي طاغٍ مشفوعٌ بتتبّع تلفزيونيِّ الصورة والتعليق لنفس تلك الشخصية – السيد « محمّد بوزويدة » – وهي تجوب شوارع الحيّ. جولةٌ قصيرةٌ تنعزل خلالَها الشخصيةُ تدريجيا عن محيطها الخارجي وتندمج أخيرا في نسقٍ وثائقي سينمائي يختتم مبدئيا خيارَ هَجانَةِ الأسلوب.
انطلاقا من ذلك التحوّل، ينجح الفيلم في رهان التمَوْقُعِ إزاءَ قصةٍ إنسانية جديرةٍ بالاهتمام ومتجذّرةٍ في محيطها، تحمِلُها شخصيةٌ حقيقيةٌ ذاتُ عُمْقٍ وصِدْقٍ، واتّخاذِها كزاوية لشهادة وثائقية تُعاصر كبرى مآسي اللحظة الراهنة – متمثلةً في الإبادة المستمرّة ضدّ الشّعب الفلسطيني في غزّة ومساعي التضامن الدولي مع ذلك الشعب على غرار مبادرة « أسطول الصّمود ».
أوْحَتْ البدايةُ (السينمائية تحديدا) للفيلم ببساطة مُحبَّبة في الطّرح، وبدا وكأنّها تقدّم وعدا صريحا بعدم التّـكلّف. اقتفت أثرَ الشخصية التي أعطت للعمل عنوانَه في الفضاء الخارجي العامّ ثم في الفضاء الداخلي الأكثر أهمية – ذلك الفضاءِ العائلي والحميمي الذي تتمحور حياتُها حوله – وأفسحت لها المجال للبوح بمَكْنون صدرها ولسَرْدِ حكايتها كما كان مُنتظرا.
لكنّ العدّاء فَقَدَ نسقَ البداية ولم تصمد الانطلاقة المُوفّقة عموما إلى آخر السباق. حصل ذلك حين تغيّرت بوصلةُ المونتاج نحو مُراوَحَة آلية وغير متوازنة بين الحكاية الأمّ والحدث. وصار هذا الأخيرُ الضابِطَ الفعليَّ لإيقاع الفيلم.
تغلّب بذلك الطابعُ الوصفي المباشر للمَشاهد، مُرفَقا في الغالب بتعليق صوتي تلفزيّ النّبرة. فَقَدَ « محمّد بوزويدة » توقيتَه على عكس ما أوحى عنوان الفيلم وعُـدِّلت مواقيتُ ظهوره على ساعة الحدث. كما زاد اللجوءُ – في كثير من الأحيان – إلى الاعتماد على تقنية « إعادة تمثيل المَشاهد » المرتبطة أساسا بالنمط الوثائقي التلفزي في تعميق الإحساس بفرق التوقيت وضياع نسق البداية.
لكنّ الوعدَ بالغَوْص في معنى الفَقْد وجوهرِه والخوف من تكراره بالأخصّ (فقدان الابن في حين لم يندمل جرحُ فقْدِ الزّوجة بعد) بما يجعل منه شبحا يخيّم على عتبة بيت يعرِف جيدا مرارةَ تلك الكأس، سَقَطَ تحت زخم العناوين والتغطية الإعلامية الرّسميةِ والأدنى رسميّةً، وشذراتٍ من الذكاء الاصطناعي وخليط من الغرافيك والتّحريك والهَزْل الهَزيل. وتحوّلت الفكرة الأصلية الموعودة إلى مجرّد فقرة تظهر على الشّاشة وتسبق مباشرةً جنيريك النهاية في مسعى لتدارك ما ضاع في الطّريق.
تَبِعَ سقوطَ الوعد الأوّل انجرافُ جزء كبير من مصداقيّة الشهادة الوثائقية. إذ أنّ مواكبةَ النسق الخبريّ السريع للأسطول لا تخلو من ضرب من الإيهام العفويّ بحضور لم يَكُنْ، يـُوازيهِ شَيءٌ من التّخلّي عن آل بوزويدة، في ما عدا بعضِ المُـراوحات التي اتّسمت بقطْعٍ سريع فلم تستطع أن تواكبَ عُمقَ مشاعر الشخصيات.
في هذا الإطار، يمكن القول – اليوم – بأنّ القضية تجاوزت حتما طابعَ الحدث واخترقت الوجدان الجمعيّ فسَكَنَتْ، وبات لها أثرٍ لن يمّحي على مقربة من أبواب الحقل الميتا-تاريخي. أفـلا تكون الشهاداتُ المُعاصرة إذن أكثر صدقا حين تُـضمَّن عفويّا في طيّات حَكايانا الشخصية والحميمية : في علاقات الآباء والأبناء، في الخوف من الفقد وتكراره، في شوارعنا وبيوتنا وخبز يومنا، وفي تفاصيل حياتنا العادية ؟
على صعيد آخر، وفي زمن التطبيع الكوني مع التشتّت الذي أضحى يكتسي طابعا هيكليا في منظومة اقتصاد الانتباه، قد تصبح مطاردةُ الفكرة أو الموضوعِ بأسلوب فريد حتى النهاية شرطا أساسيا لإنقاذ الفيلم -الوثائقي تحديدا- من براثن الانصهار في دوّامة معلوماتية لا نهاية لها.


