بقلم عبدالله الجرادي 

تبقى تجربةُ البحث عن العمل، في عالم ما بعد الرأسمالية وفي تونس تحديدًا، تجربةً شخصية وذاتية بامتياز، يكون فيها الفردُ متأرجحًا بين خطّيْن: خطُّ الرفض الذي تفرضه المنظومة (أن تُمنَع من العمل أو من دخول مكان العمل، أو أن تقوم بمقابلة مهنيّة شكليّة) وخطُّ الانحراف – أو الاختلال النفسي الجماعي – الذي يفرض بدوره المذلّةَ والتطبيعَ مع المعاملات اللاإنسانية. 

في فيلم « فرصة عمل »، وهو عمل روائي قصير مدّتُه 8 دقائق و29 ثانية من إخراج كريمة طرابلسي وإنتاج نادي الطاهر الحداد للسينمائيين الهواة، نرى شابًا عشرينيّا يخوض رحلة البحث هذه، بطريقة فريدة. 

ينطلق الفيلم بلقطة واسعة داخل غرفة الشاب في بيته العائلي، حيث يُعيد الفتى ترديدَ الكلمات ذاتها بطريقة آلية، ويُبدّل ملابسَه بين الحين والآخر، محاولًا رسمَ ابتسامة كاذبة ووَهْمَ الانتظام، تحت وطأة ضغطٍ نفسي، مكرّرًا كل تلك التفاهات مِنْ قَبيل « أنا قادر على الاشتغال تحت الضغوط »، والتي يمكن لأيّ باحث عن عمل أن يتلفّظ بها.

من الوهلة الأولى، يبدو غيابُ الصدق جليًّا في خطابه. كأنه يؤدي مشهدًا مسرحيًا هزيلًا. وبين اللقطات البينيّة والقريبة، نكتشف أنّ هذه البنيةَ المنهجيّة الزائفة لازمةٌ تتكرّر مع جميع الشخصيات التي يقابلها البطل لاحقا. إذ ترفض كلّ الأطراف الحوارَ الجاد، وتظلّ الأحاديثُ سطحيةً وشكلية مع كل المشغّلين، بينما تتصاعد لفحة الانحراف مع كل لقاء جديد.

بعد مشاهدة الفيلم، تفاقمت الاسئلة في رأسي حول واقع التشغيل في هذا البلد؛ فلسنا هنا أمام مشغِّل بالمعنى التقليدي في هذا العالم – عالم ما بعد الرأسمالية – بل أمام محاكاة لمنظومة زيف شامل. زيفٌ في فرص العمل، زيفٌ لدى المشغل، وزيفٌ لدى طالب العمل. وكأننا داخلَ هيكل محاكاة ينتمي إلى واقع فائق لا أثر للحقيقة فيه.

في عالم المحاكاة الهيكلية الذي يتم بناؤه في عديد الأفلام، نرى نفس الخلاصةً تتكرر، وهي تطورُ الانحراف بشكل تراكُميّ حتى يأخذَ أحدَ الأشكال التي كان ينوي محاربتها، و يتحول في النهاية إلى المنحرف الأقوى. وهو أمر ليس بالغريب عن الواقع، فأغلبُ من ادّعى محاربة الفساد سقط في قطره، وفي الروايات يصبح سقوطُ البطل في قطر الأشرار نهاية مغرية ؛ وحالُ المنحرف هنا ليس بمختلف. لكن، خلال تحوّله هذا ، يدرك أنّ الدوارَ النفسيَّ الذي واجهَه لم يكن مُجرّدَ محطة عابرة. 

ففي عالم المحاكاة و الزيف، لا ينجح الناسُ في مواجهة الواقع الزائف بالتمرّد السياسي التقليدي، لأن المنظومة قادرةٌ على امتصاص كل معارضة، وتحويلِها مجددًا إلى صورة قابلة للتسويق. وكأن كلّ شيء، حتى الاحتجاج، أصبح جزءًا من لعبة المحاكاة الكبرى.

و كذلك هي مشكلة الفيلم – ولعلّها أيضا نقطة القوة التي يطرحها – إذ يظل أداة تسويق لا تقدّم أي بصيص أمل للمعارضة أو لمواجهة المنظومة، بل تحاكيها محاكاةً في منظومةِ محاكاةٍ زائفة لفضح محاكاةٍ أخرى …