بقلم أنيس قريعة

شريط « طماطم ملعونة » ِلـ: مروى طيبة

منذ الدقائق الأولى  لفيلم « الطماطم الملعونة »، تتظافر مؤشرات عدّة لتوحي للمشاهد بأنه إزاء فيلم إيكولوجي صريح أو ذي نبرة إيكولوجية عالية على أقل تقدير. في حقل ما، يقع في منطقة يغلب عليها الجفاف كحال سائر البلاد، تجرّب شخصيات الفيلم الرئيسية كلّ الأساليب الممكنة لجني أرباح سريعة من زراعة الطماطم. أرباحٌ كفيلة بحلّ مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، ومن بينها إتمام مشروع زواج مُعلّق منذ فترة طويلة. إلحاحُ الحاجة في واقع تونسي مُعقّـد يُشرّع في نظر تلك الشخصيات اللّجوء لشتّى الوسائل المُتاحة من أدوية وأسمدة وغيرها بهدف تحقيق نتيجة عاجلة، دون أدنى مراعاة لتأثيرها على الأرض، في المدى الطويل.

انطلاقا من هذا الطرح الصريح والمُنجَـز بكفاءة لدوافع الشخصيات، لا يتأخّر مأزق الفيلم عن التشكّل والظهور. مأزقٌ وضع فيه نفسه بنفسه. إذ يقضم التعاطف المُسرف تلك المسافة النقدية الضرورية بين النظرة الأصيلة للمؤلفة ووجهة نظر الشخصيات التي اختارت أن تجعلها محورا للفيلم، إلى حدّ يقترب من التماهي في كثير من الأحيان. وذلك في الحقيقة أمر يتكرّر في السينما الوثائقية التونسية، فيُسقط الكثير من إنتاجها بسهولة نسبيا، ولأسباب ينبغي الانكباب على دراستها بعمق، في ضرب من الافتتان بالشخصية وما يتبع ذلك من تبنّ لخطابها واستبطانه في متن الفيلم ذاته. في هذا الصّدد، يكاد فيلم « الطماطم الملعونة » تحديدا أن يُغفل مُعطًى أساسيا يتمثّل في أنّ شخصيات الفيلم الرئيسية هي أقرب للمُضاربة من امتهان الفلاحة والانتماء الحقيقي للأرض، فيكتم إلى حدّ كبير التنافر العضوي البادي بين الشخصيات والأرض، وبالتالي يختزل الوضع في « لعنة » ما باتت تلازم أفرادا خانهم حسن الطالع. 

إلى جانب التفسير الميتافيزيقي الذي تقدّم، يتبنّى الفيلم تمثُّلَ الشخصيات لذواتهم كضحايا كاملي الصفة للاستغلال المُتفشي في المنظومة الفلاحية على أنغام رائعة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم « بقرة حاحا » المُنبعثة من تلفزيون قديم في ركن غرفة أحدهم. لا ندري إن كان ذلك على سبيل الصدفة أم في إطار إخراجي مدروس. « بقرة حاحا » تعود لاحقا في الفيلم في شكل غير-حكائي (euqitégéid-artxe) وتضفي نفسا ثوريا بعض الشيء على الأجواء، في امتداد لنفس منطق الاصطفاف. 

لا يلمّح الفيلم في أيّ من مواضعه إلى أنّ الشخصيات الرئيسية نفسها تشكّل حلقة قائمة الذات في سلسلة الاستغلال في المجال الفلاحي. من المُؤكّد أنّها ليست الحلقة الأعتى والأكثر حظا، لكنّ ثوب الضّحية المُطلقة لا يليق بها دون شكّ. في المقابل، قد تلتقط عين مُشاهدٍ متحفّز الانتباه، خلال مَشهد مُصوَّر بواسطة الدرون، كيف خفضت عاملة فلاحية رأسها فجأة بعد أن أوشكت على النظر إلى الآلة/الكاميرا الطائرة، كما لو أنّ أحدهم نهرها عن ذلك الصّنيع في سياق البحث عن لقطة مثالية. لم يتساءل الفيلم بالمناسبة عن موقع العاملات الفلاحيّات اللاتي مُـنحن حضورا (أو بالأحرى مُرورًا) باهتا جدّا، في ذات سلسلة الاستغلال.

بناءُ العمل الوثائقي على الشخصية حصريّا هو خيار معهود و »سيادي » من منظور سلطة المؤلف. ويحدث أن يصبح خيارا مغريا إذا تغذّى على نجاح سابق (شخصيات « الطماطم الملعونة » تتقاسم بعض الملامح مع شخصيات « قرط » لحمزة العوني). إلاّ أنّه لا يوفّر بالضرورة الزاوية المُثلى لمعالجة كافّة الثيمات. إذ قد يتحوّل إلى خيار اختزالي حين تتّجه النوايا في الأساس إلى تناول مسألة قطاعية متشعّبة تمسّ عديد المتداخلين والفئات التي يمكن أن يؤدي إلغاءُ تمثيليةِ بعضِها سينمائيا إلى إعادة إنتاج علاقات الاستغلال المُميّزة للقطاع وإلى سقوط الطابع الإيكولوجي المنشود في البدء.