بقلم محمد الفرشيشي
شريط « وين ياخذنا الريح » ِلـ: آمال ڨلاّتي
فيلم وين ياخذنا الريح للمخرجة آمال ڨلاّتي، والذي يُعرَض في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة ضمن أيام قرطاج السينمائية، يتجاوز كونه تسجيلاً لواقع تونس. إنه بمثابة عمل سينمائي يُقدّم تحليلاً دقيقاً لاستراتيجيات الجيل Z ZneG في مواجهة الانسداد الاجتماعي والاقتصادي بل و حتى السياسي، حيث يكمن العمق النقدي للفيلم في توظيفه لشخصيتين رئيسيتين كـأيقونتين متعارضتين تمثّلان الخيارات المتاحة لجيل ما بعد الألفية: عليسة التي تتبنى التمرد الفوري والعابر، ومهدي الذي يتمسّك بـالمسار المؤسساتي التقليدي رغم انهياره.
ثنائية الجيل Z: مهدي وعليسة بين التمسك والاشتباك
يُبنى الصراع بين الشخصيتين على وتر التباين في المنهج للتعامل مع الأزمة: يمثّل مهدي إرث الجيل التقليدي المتأزم ضمن الثلّة التي ما زالت تؤمن قطعا بالهياكل القديمة، أي الجيل الذي يدرس ويبحث عن وظيفة روتينية ويخشى كسر القواعد. شخصيته، بتردده و »سقف أحلامه الروتيني »، تعكس أزمة الإيمان بالمسار الأكاديمي والاجتماعي الذي وضعته الأجيال السابقة. هذا العجز عن « كسر الروتين » هو ما يُفقِد هذا الجناح من هؤلاء الشباب الطامحين، فرصَتهم في الحركة والمبادرة. أمّا عليسة، فتدخل الفيلم بوصفها الكائن الذي يتصرّف وفق منطق العالم الرقمي، لكن داخل جسد مادي يتحرك في فضاء واقعي صلب. يشبه حضورها «غليتش» داخل الصورة؛ خللاً مقصوداً يكشف هشاشة ما يبدو ثابتاً. فهي لا تتعامل مع الحدود كقوانين مفروضة، بل كعوائق تقنية يمكن التحايل عليها أو كسرها، تماماً كما يفعل المستخدم داخل فضاء افتراضي لا يعترف بالمنع. ولهذا تتجلى طبيعتها المتمرّدة في سلسلة أفعال صغيرة لكنها فاتحة للمعنى المراد إبلاغه، مثل الرسم على لباس المرأة في النقل الجماعي، وهو ما قد يصبح شكلاً من الانتقام الجمالي ضد فضاء اجتماعي يخنق الأفراد. كما تتحول سرقة السيارة أو مقايضة الميكانيكي بالمخدرات إلى حركات تكتيكية أكثر منها « تجاوزات أخلاقية » حسب سياق الطرح الفني في الفلم . تُقرأ عليسة على الشاشة كقوة سردية تدفع الفيلم خارج إيقاعه المألوف؛ جسد سريع، حادّ، يبرز مثلا في اعتلاء سور المدرسة، ويرفض الامتثال لإيقاع العالم البطيء. وهو ما يظهر في انسيابيّة قيادتها لدراجتها الهوائية. ليست عليسة ممثلة لتيار اجتماعي بقدر ما هي طاقة بصرية محرّضة، تجسيد لسينما ترى في الخرق فعلاً خلّاقاً، وفي الفوضى وسيلةً لاكتشاف مسار بديل داخل واقع مغلق. فالعلاقة بين الشابّين إذن ليست عاطفية، بل هي ميثاق وجودي بين طرفين يحتاج أحدهما إلى شرارة الآخر ليتحرك، في حين يحتاج الآخر إلى قاعدة أمان ليُوازن تهوّره.
عليسة: البطولة كأداء جِيلِيّ
تبرز عليسة كـأيقونة للفئة الشبابيّة الطامحة والثوريّة في طريقتها لتجسيد « البطولة ». ليست بطلة بمعيار القوة الخارقة، بل بكونها قوة للتعطيل والتغيير في لحظات العجز المؤسساتي. فالقُبلة العابرة في الملهى، والتي تتجاوز التوجه الجنسي لتصبح تجربة عابرة (noitalopartxe)، أو جرأتها في استخدام « الكود الاجتماعي » لاختراق حاجز حراس الملهى، تعكس عقلية الجيل الذي يرى في القواعد أنظمة قابلة للاختراق (metsyS eht gnikcaH). فهي لا تنقذ العالم، بل تنقذ الموقف اليومي بـ »الحل السريع » الذي يرفض الانتظار والروتين. وهنا يبرز الانزياح التعبيري كرفض طبقي، ويبلغ النقد ذروته في مشهد تخيل العائلة البرجوازية كـ »خنازير ». هذا ليس جنونًا، بل هو انحياز تعبيري يؤكد أن الفارق الطبقي لم يعد يُدرَك بالمال، بل بالاحتقار الوجودي. يمثّل هذا التشويهُ البصري الرفضَ الجذري الذي يبديه هذا الجيل الجديد الذي يرى في الطبقة المهيمِنة كيانات استغلالية لا يمكن التعبير عن دونيّتها إلا بلغة الصورة لا بلغة الحوار المعتادة.
صراحة الجيل ومواجهة التناقضات
تُقدَّم المشاهد في الطريق أو الصحراء ضمن لحظات الحقيقة، التي تسبق المسابقة، وكأنّنا أمام جلسة تحليل نفسي حادة تُفصح عن تناقضات الجيل. المواجهة بين عليسة ومهدي واتهامها له بالجبن واتهامه لها في المقابل بالأنانية، ليست مجرّد شجار؛ إنها تصادم بين استراتيجيتين للنجاة ضمن نفس الجيل: استراتيجية الإدانة الذاتية التي يمثلها مهدي حيث يحمّل نفسه مسؤولية الفشل ويسعى للالتزام بالقواعد حتى النهاية خاصة عندما يقوم بتكسير لوح الرسم بعد علم السرقة. في المقابل فانّ استراتيجية الإدانة الخارجية التي تمثلها شخصية عليسة التي تلوم الظروف والآخرين مثل النظام والمجتمع وضعف مهدي، وتتخذ التمردَ خياراً أوليا. هذه الصراحة المفرطة التي لا تتورع عن استخدام أقسى الكلمات لجلد الآخر، تعكس نمط التعبير الصريح دون فلتر الذي يميز هذا الجيل في الفضاءات الرقمية المتمثلة خاصّة في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي ينتقل بحدّة إلى الشاشة.
الخاتمة: بطولة الهروب وبقاء المقاومة
في المحطة النهائية، تتجلى قسوة النظام بقوة عندما يُهزَم مهدي، رغم موهبته، أمام المحسوبية والدونية الطبقية. حيث أنّ هذا المشهد يُعلن أن النظام لا يسمح للموهبة بالنجاة، مما يبرر ضرورة البحث عن استراتيجيات أخرى وهو الأمر الذي قد يكون محبِطا بعض الشيء للبعض. تنتهي القصة بـافتراق حتمي، يمثّل الخيارات الصعبة للشباب عامة في تونس: إما « بطولة الهروب » عبر الهجرة للبحث عن نظام يقدّر الجهود، أو « بطولة البقاء والمقاومة » بالعودة إلى الجذور والاشتباك مع الواقع على الأرض. في الختام، يُمكن اعتبار عليسة أيقونة لمن هن في عمرها؛ بطلة لا تُقاوم بالانتظار أو بالاحتجاج السلمي، بل بجرأة الفعل العابر واستخدام التمرد الفوري كـاستراتيجية وجودية في عالم ضاقت فيه الأطر التقليدية.

