بقلم إعتدال ڨاسمي

شريط « فوق التل » ِلـ: بلحسن حندوس

يأتي فيلم « فوق التل » لبلحسن حندوس المخرج التونسي كفيلم يعتمد على الهدوء أكثر من الوقائع، وعلى التصوير أكثر من الكلام المباشر. لا يسعى الفيلم الى صناعة دراما او بناء حدث، بل يقوم بالاأساس على ترك الحياة تتكلم من خلال امرأة المانية مسنّة، عاشت أكثر من خمسين سنة في الريف التونسي بين خيولها وأرضها. بوتيرة بطيئة وكأن الزمن نفسه يتباطأ احتراما للمرأة التي يروي عنها، ينقل لنا الفيلم في نصفه الأول عالم « جيزيلا بيرغمان » قبل وفاتها : امرأة تجاوزت الثمانين، تعيش في ضيعتها التونسية كما لو أنها جزء عضوي من ارضها.  نراها تمشي حافية، تسبح في الغدير عند الصباح، تترك النمل يمشي فوق جلدها دون انزعاج، وترفض قتل الفئران أو الذباب، مؤمنة بأنّ الطبيعة ليست خصمًا، بل شريكًا في الحياة.

 يختار المخرج كاميرا لا تتدخل كثيرا في سير الأحداث : لقطات مفتوحة، ضوء طبيعي، حركة مستمرة في الخلفية وأصوات الطبيعة. كل شيء يبدو حيا ونابضا. المكان مزدحم بالأشياء المستعملة : مواد قديمة لا تُرمى، مقعد خشبي مهترئ يُعاد إصلاحه. المكان في حد ذاته انعكاس لفلسفة المرأة : لا شيء يُهمل، كل شيء  يعاود الحياة مرّة أخرى. تماما كالعلاقات الإنسانية داخل الضيعة : البيطريون يعالجون خيولها دون مقابل، المرافقون يساعدونها بلا طمع، كما لو أن الضيعة فضاء يعلو على قوانين السوق، قائم على الثقة والاحترام المتبادلين. 

الضيعة عالم خاص، مستقل، صغير. تعتبَر « جيزيلا » محوره حيث تعاود ترتيب الطبيعة من حولها. 

اللحظة الفاصلة : حين يختفي الضوء 

في مشهد من أكثر لحظات الفيلم قوة وبساطة، تخرج جيزيلا في الظلام لتتفقد خيولها.الكاميرا تتبعها، والضوء الذي تحمله يشقّ العتمة، ثم فجأة: عتمة كاملة. تختفي الصورة ويظهر تاريخ الوفاة فقط، هكذا يختار المخرج أن يعلن الرحيل : بدون موسيقى، بدون بكاء، بدون دراما. رحيل يشبه حياة جيزيلا : صادق وبسيط وبلا صخب. وبعد ذلك السواد يتغير الفيلم جذريا، وتتحول الضيعة الى فضاء خاو : الباب الذي كان يتحرك يتوقف، والستارة تكف عن مداعبة الريح و أواني الكلاب تبقى فارغة. وتتحول الحركة فجأة إلى صمت واسع. لكن ظل « جيزيلا » يبقى حاضرًا، كأن روحها لم ترحل بعد. 

بعد الغياب، استمرار الحلم

بعد الجنازة ومشهد نقل الجثمان إلى القبر، لا يتحوّل الفيلم إلى رثاء. بل يمنح المساحة لمرافقها الذي وقف إلى جانبها لسنوات طويلة. يحاول الرجل مواصلة الحلم: يعالج الخيول، يتابع تربيتها، يسعى لتجديد السلالة بالإشراف على تزاوج الخيول المتبقية. إنه يحاول سدّ الفراغ، لا بإعادة خلق جيزيلا، بل بالحفاظ على ما تركته. لكنّ الطبيعة لا تُهادن: أحد الخيول يموت، ويُترك جسده في العراء. الموت هنا ليس حدثًا مأساويًا، بل استمرارًا للطبيعة التي كانت جيزيلا تحترمها. ثم نرى الرجل مع زوجته وطفله؛ تتوسع الحياة خارج الدائرة القديمة، وكأنّ الزمن يُكمل دورته في هدوء.
« فوق التل » ليس وثائقيا كلاسيكيا ولا سردا عاديا لذكرى امرأة غريبة. بل يمكننا اعتباره احتفالا بحياة هادئة عاشتها امرأة اختارت أن تكون جزءا من الأرض. يقدّم الفيلم حضورًا إنسانيًا لا يصرخ… بل يهمس. ويتركنا، في النهاية، أمام سؤال بسيط وعميق: هل يرحل الإنسان حقًا حين تبقى آثاره حيّة فوق التل؟