بقلم محمد الفرشيشي

شريط « صوت هند رجب » ِلـ: لكوثر بن هنية

باسم الطفولة التي غابت وباسم الصوت الذي انقطع في منتصف استغاثة، نكتب لا لننشد، بل لنسطّر تحيّة للمقاومة الفنيّة الفتيّة التي جعلت قاعة البندقية تضجّ بالتصفيق الطويل لفيلم «صوت هند رجب». وهو من تأليف وإخراج المبدعة التونسية  » كوثر بن هنية »، يُعرَض اليوم ضمن أيام قرطاج السينمائية.

انتشر صدى الفلم ضمن الصرخات الكبيرة ضد الاحتلال. ومن الجيّد أن يرتسم، تحت وطأة التغوّل الصهيوني العالمي، في أذهان الكثيرين كشهادة إدانة للآلة العسكرية الإسرائيلية. ولذلك، ومن منطق الإشادة به، وجب أن نعيد قراءته بتأنٍّ، أي قراءة التفاصيل الصغيرة التي تمرّ أمام عين المراقب العطوف دون تمعّن، حتّى ننوّه باللطائف الدقيقة التي ترسم رحلة المقاومة الفنيّة. إذ لم يقدّم هذا العمل في الحقيقة اتهاما مباشرا، من منطق حياده الإنساني، بعيدا عن التضييق السياسي. وربما كان ذلك اختيارا فنّيا يميل له الكثير من المخرجين في مثل هذه الأفلام التي قد تطرح عملا مرئيا مطعّماً بأداء سينمائي آسر الى حدّ ما.

غياب توصيف المحتل

منذ اللحظة الأولى، كان الغياب صارخاً. إذ لم يتفوّه الفيلم بكلمة «المحتل» إطلاقاً ولم يُسَمَّ الفاعل، وكأنّ الرصاصات التي استقرت في جسد الطفلة كانت طلقات عمياء سقطت من سماء مجهولة، أو أنّ قاتل محمّد الدرّة بين ذراع والده هو سفّاح متسلسل يقتصر ذنبه على قنص الأطفال فحسب. ولذلك، يطرح غيابُ التسمية أكثر من تساؤل، بل قد يصنع عن غير قصد تقنية طَمْسٍ تُخفّف وطأة المسؤولية حتّى وإن كانت « غلطة مطبعيّة »، وتُحوّل الفعل المدروس إلى «حادثة» قابلة للتأويل. 

مهدي: شخصية قويّة وصوت التعقّل 

الشخصية الأكثر إثارة للانتباه ليست الطفلة هند ولا حتى الموظف عمر الذي تلقّى الاتّصال الأوّل ولا أيّ موظف آخر داخل مركز الاتصالات التابع لهيئة الهلال الأحمر داخل الضفة الغربية. بل هو مهدي، المسؤول عن التنسيق، الذي حمل في كل جملة تقريباً بذورَ التخفيف عن جيشٍ يراقب بالمنظار الحراري ويعرف أنّ في السيارة طفلة. قالها بوضوح  » لو أرادوا قتلَها لفعلوا منذ البداية. » هذه العبارة وحدها كافية لتقويض كل خطابات الإدانة، فهي تقترح أنّ موت هند لم يكن مقصوداً، بل نتيجة سوء حظ أو خطإ في التنسيق، حتى وان أدمِجت في السيناريو عن غير قصد طبعا، فهل نتحدّث هنا عن تحوّل الجيش من قاتلٍ إلى جهاز يمكنه أن يخطئ كأي جهاز بيروقراطي، بلا نيّة مسبقة؟ كان مهدي «صوت التعقّل»، في مقابل عمر، الذي بدا أكثر تمرّداً، وأكثر وضوحا في تحميل  المسؤولية لمن ينبغي أن يتحملها. جاء مهدي مذكّراً بالبروتوكولات والاتصالات، وكأنّ صوتا ينادي خلف الستار: لو لم يحصل هجوم السابع من أكتوبر، لما جنيتم على أنفسكم.

الضوء الأخضر… بروتوكول « الفيتو »

حين وصلت سيارة الإسعاف، سأل مهدي طاقمه: هل أشعلتم الأضواء؟ هل شغّلتم الصافرات؟ كأنّ الأمر كلّه يتوقف على الإجراءات الشكلية، وكأنّ الجيش سيعفيهم من القصف إذا كانت «الإشارات» مكتملة. ولذلك، لا بدّ لنا أن نتساءل حول مدى غفلة الطاقم أو تقصيرهم في اتّباع البروتوكول، وهل أنّ ذلك هو السببُ في قصفهم، لا قرارُ الجيش الواعي بإطلاق النار. ضمن مشهد الحرب والصراع، تتحوّل السيارات والمستشفيات إلى رموز للصراع على المعنى بين الإنسانية والادّعاء. هنا، سيارات الإسعاف والمسعفون والأطباء والصحفيون يظهرون كقطع شطرنج في رقعة بصرية يبدو فيها كل شيء محتملا. حيث تُقدَّم المؤسسات الإنسانية في الفيلم على أنها حاضنة للتناقضات الكبرى بين الحياة والآلة العسكرية. لا يروي المشهد الواقعة بطريقة تقليدية، بل يستخدم التباين بين الهدوء البصري والتهديد الغائب عن العدسة ليخلق- ربما –  نوعاً من السخرية الذكية: هل تتساءل هنا كوثر قائلة: كيف يمكن لرمزية الرحمة أن تتصارع مع منطق القوة؟ كيف يبدو من الممكن أن تتقلّص القيم الإنسانية وتتحوّل إلى مجرد أذرع في لعبة أكبر؟ يمنح هذا التوترُ الرمزي المُشاهدَ فرصة للتأمل في العبثية التي يفرزها الصراع، بطريقة تجعل الفيلم يتعامل مع الواقع كلوحة تصويرية معقدة، مليئة بالإيماءات الطريفة واللامتوقَّعة، دون الحاجة إلى توجيه أي لوم شخصي أو سياسي.

فيلم لا يُقلق حتى  » كوفي عنان « 

لا تكمن القسوة الحقيقية في مشاهد القصف أو صوت الطفلة المتوسّل الذي أرهقنا جدا، وهذا يحسب فنيّا لكوثر بن هنية، بل في أنّ أي مُشاهِد يمكن أن يشاهد الفيلم حتى نهايته دون أن يعلَم من المتسبِّب، خاصة حين يكون هذا المُشاهد من خلفيّة غربيّة تجهل التفاصيل والسياق.  والواضح أنّ الفلم موجّه للمشاهد العالمي بدرجة أولى.

مرثية باسم الطفولة

لم تكن هند بروتوكولاً ناقصاً، ولا ضوءاً أخضر لم يُمنح. كانت هند طفلة تطلب النجدة، وتلتمس لحظة حياة إضافية. لم يكن موتها خطأً إدارياً ولا عيباً إجرائيا في التواصل. موتها  جريمة. والجريمة لها فاعل، اسمٌ، جيشٌ، واحتلال. لكنّ الفيلم، وباختيار فنّي، فضّل أن يكتفي بالرموز.

خاتمة

« الضوء الأخضر الذي تطلبونه غير متاح حالياً » ليست مجرد عبارة في بروتوكول عسكري، بل هي عنوان لكل خطإ قد يختزل دم طفل في حادثٍ إداري، حيث أنّ مرثية الطفولة الحقيقية تمر عبر سردٍ يفضح القاتل ويعرّيه ويواجهه. ولذلك، فإنّه من الأحرى بالفنّ أن ينأى بنفسه عن الوقوع في سردية جمالية قد تُحوّل الجريمة إلى فوضى تقنية.