بقلم محمد الفرشيشي
شريط « طماطم ملعونة » ِلـ: مروى طيبة
في فيلم » الطماطم الملعونة » لمروى طيبة، نُقاد إلى عالم يبدو مألوفًا في ظاهره: فلاح تونسي شاب، أرض، موسم طماطم. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذه العناصر كجزء من يوميات زراعية فحسب، بل قد تبدو للمتوغّل في التفاصيل الدقيقة بُنْيَةً رمزية، تُعرّى من خلالها علاقة الإنسان بالاقتصاد، وبالتقاليد، وبفكرة القداسة نفسها.
منذ المشهد الأول بعد البداية، حين نرى الفلاح في حوار مع شخصية لا تظهر أبدًا، فتتضح لنا لعبة سينمائية واعية: الصوت حاضر، الجسد غائب. ليس هذا الغياب عبثيا على ما يبدو، إذ يعيد تشكيل مركز الثقل داخل الفيلم، ليصبح كل ما هو غير مرئي أكثر سلطة ممّا هو داخل الحقل البصري. وهكذا تُقدَّم لنا ميزانية الزواج- اللحم، الماشية، المصاريف-كأنها معادلة حسابية لا بُنْيَة شعائرية. لا يظهر الزواج هنا بطقوسه الروحانية ولا بقدسية العلاقة، بل كبند مالي آخر، يُدار مثل إدارة زراعة الطماطم.
في هذا التفكيك، لا نتحدّث طبعا عن تعميم الفيلم لفكرة توحي بأنّ الفلاحين فقدوا الروحانية تجاه الأرض أو الزواج، لكنه يخلق حالة فردية تكشف كيف يمكن لمنطق السوق أن يزاحم المستوى الرمزي ويضعه في الخلفية. ليست القداسة غائبة من المجتمع، بل هي مُهمَّشة في تجربة هذا الفلاح بالتحديد.
في الفيلم، تتحول الطماطم إلى ما يشبه المرآة العقلية للفلاح. إنها كائن يُنتظَر منه الإنتاج. هذه -الموازاة الصامتة- غيرُ معلَنة في الحوار، لكنها مضمَّنة في البناء السينمائي لكي تُنتج طرافة فريدة: يتحدث الرجل عن الزواج بلغة تشبه لغة الأسمدة، ويُحدّث عن الأرض كما يُحدّث عن دفتر حسابات.
ليست القداسة في الفيلم قيمة عامة، بل هي بناء سينمائي. ونحن لا نزعم أنّ الفلاح قطع علاقته الروحية بالأرض، ولكن التأمل في التفاصيل يُظهر كيف أنّ هذه العلاقة قد أعيدت هيكلتها تحت ضغط السوق. القداسة هنا ليست افتراضًا اجتماعيًا عامًا، بل هي خيار سردي: يضعنا الفيلم أمام فلاح لا ينظر إلى الأرض بوصفها « أُمًّا » أو « جذورًا »، بل بوصفها مساحة يجب أن تُنجب الأموال. هكذا تصبح القداسة التي كانت مرتبطة تاريخيًا بالأرض (في الثقافة الفلاحية المغاربية مثلًا) جزءًا من الخلفية، بينما يتصدّر المشهدَ قاموسُ الإنتاج: الربح، الأسعار، وتقلّبات السوق.
بين المصانع والفلاحين: خطّ درامي منسوج بذكاء
عندما يشتكي الفلاحون الآخرون من مصانع الطماطم المعجونة، ويستشهدون بالمثل الشعبي « حوت ياكل حوت، قليل الجهد يموت »، يبني الفيلم سقفًا فوق التجربة الفردية: يبتلع الاقتصاد الحديث القداسة من الطرفين، من الأرض ومن الأسرة. المواطن الذي يأتمن الفلاح على المحصول ليس أفضل حالًا؛ هشاشته تُشبه هشاشة الزوجة غير المرئية التي يُناقَش الارتباطُ بها كميزانية لا كاقتران بذات.
اللقطات الطويلة للأرض والحائط الهش والبستنة اليدوية، إضافةً لإصلاح العناصر التالفة بأساليب يدوية غير عصرية، وصوت الشخصيات دون ظهورها… كلها تقنيات تجعل القداسة أمرًا مرئيًا بصريًا فقط حين تغيب لغويًا. تُظهر الصورة ما تُغفله الكلمات. الطماطم في ضوء الشمس، أكياس السماد، الأرض القاحلة غير الخضراء… كلها تُقدَّم بوقار أكبر من وقار الحديث عن الزواج. وهنا، ربما نستطيع الحديث عن تجلي نظرة الفيلم: القداسة التي يفتقدها الفلاح لغويًا يقدّمها الفيلم بصريًا بمعزل عنه.
في النهاية، » الطماطم الملعونة » ليس فيلمًا عن الطماطم على ما يبدو، بل عن « الحياة التي تُقاس بالطماطم ». إنه فيلم عن علاقة فرد بنظام اقتصادي يُعيد ترتيب الأولويات، لا ليهاجمها، بل ليضعنا أمام هشاشتها. الطماطم هنا ليست مجرد ثمرة، بل تاريخ وفلسفة وصوت يعلو على أصوات الشخصيات التي لا نراها.
هي الطماطم التي تَلعن، وتُلعَن. وهي المرآة التي يقول الفيلم من خلالها ما لا يُسْمَع.

