بقلم إعتدال ڨاسمي

شريط « صوت هند رجب » ِلـ: كوثر بن هنية

يأتي فيلم « صوت هند رجب » كخطوة مختلفة في مسيرة المخرجة التونسية كوثر بن هنية، كعمل درامي مثير للجدل ضمن السنوات الأخيرة من مسيرتها الفنية. 

فالفيلم الذي حصد اهتماما واسعا حتى قبل عرضه في القاعات يُعيد تجسيد حادثة حقيقية هزت الرأي العام العالمي وليس العربي فقط : معاناة الطِفلة الفلسطينية « هند رجب » واستغاثتها لساعات عبر الهاتف من داخل سيارة محاصرة بنيران الاحتلال، قبل أن تُقتل صحبة عائلتها.

وعلى الرغم من أن فيلم « صوت هند رجب » يقوم بالاستناد الى مأساة حقيقية اخترقت القلوب عبر الفيديوهات التي نُشرت منذ وقت ليس بقصير على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن قيمته الفنية والنقدية لا تنحصر فقط في اختيار المخرجة لموضوع كذلك، بل في الطريقة التي يُعيد فيها طرح الفاجعة ونقلها الى الشاشات : إذ كان الفيلم إعادة تمثيل وتجسيد لأحداث الفاجعة التي جدّت في 29 جانفي 2024، من خلال الصوت قبل الصورة. فقد اعتمدت كوثر بن هنية على التسجيل الصوتي الحقيقي لهند رجب بالهاتف حين جدّت الحادثة. وهنا تكمن الإشكالية : هل يقتصر دور السينما على توثيق جزء التاريخ من وجهة نظر المخرج؟ أم تسعى السينما إلى أن تكون أكثر من مجرد التوثيق؟ 

بين الوثائقي والخيال : « صوت هند رجب » اعادة تجسيد المأساة 

ينقل الفيلم الأحداث التي تجدّ في غزة، دون تسجيل بصري حقيقي للحادثة، بل اعتمد بالأساس على تقنية أريد تسميتها amarducod اي الجمع المبالغ فيه بين الحقيقية وإعادة التمثيل. حيث قام الممثلون بتأدية دور « رنا » و »عمر » و »مهدي » و »نسرين » بين المسعفين وغرفة العمليات ولحظات الارتباك والتأخير، دون أن يتم الاجتهاد في الخروج من دائرة الأحداث في ذلك المربع الصغير وهو مركز اتصالات الهلال الأحمر. وحتى حين تمت المغادرة، قامت المخرجة بالاعتماد على مشاهد مُصورة ومنشورة لسيارة « هند رجب » وعائلتها وسيارة الإسعاف ومكان الحادثة وغيرها من المشاهد، التي أضافت على الفيلم طابعا نقليا توثيقي. في حين يظل صوت هند الحقيقي حاضرًا كقلب للفيلم، يُطرَح السؤال هنا : هل يعود « نجاح » الفيلم للفيلم في حد ذاته أم يعود الى التسجيل الصوتي واسم الشخصية الحقيقيين اللذين لقيا رواجا قبل تصوير الفيلم. يمكننا التصريح بأن هذا الخيار الفني العائد إلى كوثر بن هنية يمكن أن يمنح للمتلقي مساحة لتقبل الأحداث دون الانزلاق نحو الاستعراض الفج للعنف الذي يعيشه القطاع في غزة. وفي هذا الإطار تأتي مشاهد مُتكررة كمسكنات بسيكولوجية للمتفرج على عكس ما كانت تقدَّم على أنها لطاقم العمل : مشهد تدخين السيجارة والتأمل من الشرفة العالية الذي تكرر أكثر من مرّة، ومشهد النفس العميق وتخيل الاحجار على شاطئ غزة، وغيرها من المشاهد التي كانت حسب رأيي محاولة للتطبيع مع فكرة « مقتل طِفلة على مرآى ومسمع من الجميع، دون ان يتم انقاذها ». كأن الفيلم يتفادى هنا التجاذبات السياسية، إذ لم يتم الإفصاح العلني عن « القاتل » أو عن « الجهة المذنبة » في القصة. فالأمر حدث، ونحن ننقله كما يُروَّج له، ولا إضافة لنا فيه. وهذا ما يكشف محدودية الأسلوب الدرامي الذي تحدثنا عنه منذ قليل : فالفيلم لا يذهب الى ما وراء الحدث، ولا يُفسر حتى الوقائع، ولا يتوسع في السياق السياسي، رُبما لتجنب التورط في إنصاف جهة على حساب أخرى. بل يكتفي بإعادة تجسيد الأحداث حرفيا وبحذافيرها ليُبقي المشاهدَ داخل دائرة واحدة من الألم، يعرف العالم أصلها مُسبقا. ولذلك أعتبر الفيلم إعادة صدمة اكثر منه تحليلا أو موقفا سينمائيا. 

هل يُعتبَر هذا خطأ؟ 

ليس بالضرورة، ولكنه اختيار فني يعتمد على التأثير العاطفي المباشر وقد يُحول الفيلم الى نقل تاريخي من وجهة نظر معيّنة دون ان يحمل موقفا أو تحليلا. 

فالصوت في الفيلم يعرض فقط النداء الأخير، ويترك المشاهد يختنق بالبكاء. وقد نجح فعليًا الفيلم في دفع المشاهد الى البكاء، والى الشعور بصدمة الحدث رغم علمه بحيثياتها مسبقًا، نظرًا للمؤثرات الصوتية والحركية، حتى في حركة الكاميرا أثناء مشاهد الانتقال بين هند وغرفة التنسيق.  ليبقى السؤال المطروح : هل تكتفي السينما بنقل الفاجعة؟ ام أن الفن مطالب بتقديم أشياء أبعد من تصوير الواقع؟ ربما نجح فيلم « صوت هند رجب » في مهمته الأولى، وهي ان يكون شهادة على الواقع، ولكن مهمته الأهم في أن يكون قراءة تظلّ على عاتق المتفرج، لا على عاتق الشاشة.