بقلم إعتدال ڨاسمي
شريط « سماء بلا أرض » ِلـ: أريج السحيري
« سماء بلا أرض » عمل للمخرجة التونسية » أريج السحيري ». ويأتي هذا العمل في إطار ايام قرطاج السينمائية لسنة 5202 كصوت خافت يعيد إلينا فكرة الوجود العابر داخل مدينة يصعب فيها الاحتضان، مدينة تُراقب دون ان ترى.
يطرح الفيلم أساسا حياة الثلاثي « جولي » و »ماري » و »ناني » في محاولة منهم لصنع عيش « ممكن » داخل تونس، في محاولة لنقل معاناة افارقة جنوب الصحراء.
لكن الفيلم يترفع على أن يقدم صورة ضحية جاهزة تجارية، أو يتبنى خطابا سياسيا تشويهيا مفتعلا، كما كان ذلك الخطاب الرسمي الذي تداولناه في تونس. بل يكتفي، بمنأى عن الاثنين، بتصوير الإنسان حين يُدفع الى العيش على الهامش، محمولا على الألم والخوف، ومُحملا بأعباء القصة التي لا يريد سماعها أحد.
حيوات متقاطعة، ومدينة صامتة :
يجمع المشهد الأول، بين ثلاث حيوات في مشهد صغير، لكنه بالغ الدلالة. طِفلة بدون هوية رسمية، « كنزة » تُغسل في حوض الاستحمام محاطة بثلاث شابات يتشاركن رحلة البحث عن حياة في تونس. لتكون « كنزة » نقطة التقاء الفتيات « جولي » و »ماري » و »ناني » في مهمة مشتركة وهي العزلة داخل مدينة مزدحمة للبحث عن شيء ضاع منهن. تتجسد الشخصيات الثلاث في الفيلم، كخطوط تعكس هشاشة الوجود الإنساني في المنفى : « جولي » طالبة تبحث عن مساحة للتنفس خارج دائرة السكن وضغوط الغربة، تحمل حلم الحرية البسيط في داخلها. أما « ماري » فهي امرأة تصارع فقدًا قديما ينهش احشائها، فتتعلق بكنزة تعلق الغريق بقشة، علّها ترى فيها ابنتها المفقودة. بينما تعيش « ناني » وسط دائرة رمادية، في غربة روحية بين وطنين، وطنها الأم حيث توجد ابنتها ووطن آخر تحاول أن تستقر فيه ولو بثمن اكبر من طاقة تحمّلها، فتتنقل بين الأعمال الصغيرة والخطط الهشة مع « فؤاد » التونسي الذي غابت ابنته عنه هو الآخر، لتواصل البقاء.
« سماء بلا أرض » فيلم لا يقدم تونس كفضاء مُعرّف بالألف واللام، بل كمساحة ضبابية خلفياتٌها معزولة ضبابية دون ملامح، ليقوم الفيلم بذلك على تقنية عزل بصري. فربما يمكننا اعتبارها « منطقة عبور » او مسرحا جغرافيا، لا شخصية في حد ذاتها، وهذا ربما ما حاولت أريج إبرازه من خلال المشاهد الضبابية للبلدة واقتصار وضوح الصورة على الشخصيات فقط. ويعكس ذلك أيضا عيشهم في غربة روحية داخل البلاد، فلا اللغة نفسها ولا الملامح ولا حتى الأماكن. وهذا اختيار فني ذكي، يجعل المشاهد يشعر بأن وجود هؤلاء الثلاثة هشّ، مؤقّت، وأنهنّ لسن جزءًا من النسيج الحضري بل على هامشه.
تحولات تكشف هشاشة الحُلم:
تتصدع الحياة تدريجيا كجدار تتسلل إليه الشقوق.
فتسقط « جولي » في خانة الآخر وتأخَذ الى زنزانة الإيقاف، ويُجبِر صوت الحكمة « ماري » على التخلي عن حُلم التعويض، أما « ناني » فتتقلب بين الطرد والانكسار والبحث عن مأوى. لا يتحدث الفيلم فقط عن حياة المهاجرين بل بالأحرى عن حياة العابرين. العبور من الموت الى الحياة، ومن الحداد إلى التعويض ومن بلد الى آخر. المفارقة المؤلمة التي يطرحها الفيلم بذكاء، حين يقول مالك المنزل: « هل هذه مرطبات افريقية؟ » فكأن تونس لا تنتمي الى إفريقيا، ولقد كشفت تلك الجملة كل النقاشات السطحية حول الهوية والانتماء والانفصال الجغرافي، وفضحت أن العنصرية ليست دائما واعية. بل هي طبقات تاريخية غير مفحوصة.
فقوة فيلم « سماء بلا أرض » تكمن في هدوئه : فهو لا ينقل خطابات وتوعدا سياسيا ولا يُدين أحدا، بل يقدم حياة بحقيقتها وصمتها. لينتهي الفيلم « بالانفراج » الذي لا يمكن تبيّنه إن كان حلاً أو استسلاما للقدر المبني على « مُحاولة حياة ».ويترك الفيلم المشاهد في حالة تفكير، لا في حالة حكم. ويعيد تعريف المدينة كمساحة ممكنة للقصص التي لا يمكن لها أن تصبح مسيرات مكتملة.

