بقلمَيْ نهى بوعزيزي و عبدالله جرادي
شريط « طماطم ملعونة » ِلـ: مروى طيبة

مقدمة عامة

شاهدنا الفيلم جماعةً. ناقشناه، وطبعا تخالفنا. لكنّنا، نهى و عبدالله ، كاتبَيْ النّصِّ، لامسنا تقاربًا ما في فُرجتَيْنا. لعلّ ما لامسناه كان تعنُّتَ كلينا لاستنباط حقيقة ما من الفيلم، حقيقةٍ تشفي غليل رؤيتينا وتجربتينا المختلفتين. أو ربّما كَمَنَ تقاربُنا في التّأثّر الذّاتي بالفيلم. هكذا انتاب كِلَينا خوف من أن يغلُبَ الشّخصيُّ على النّقديِّ. إذن كان من الضرورة أن نتشاركَ الكتابة.

يقول عبدالله: مرت سنوات وأنا أشاهد أفلاما تنسب شاعرية كاذبة للعمل الفلاحي؛ شاعرية لا أراها وأنا أدرس الفلاحة. فلاح اليوم هو نتاج عوامل بيئية و سياسية و اقتصادية. لا يمكن أن يكون صوفيا كما يتخيله المثقف. كذلك هو الحال في فيلم ‘الطماطم الملعونة‘ حيث أن الفلاحين هم جزء من منظومة معقدة لإنتاج الطماطم، أشخاص عاديون يحلمون بالثراء في مجتمع ما بعد الرأسمالية.

نهى: لم أدرس الفلاحة لكنني شاهدت أبي فلاحا. لم أحْتَمِ في فرجتي بتصوّفٍ ولا تثقّفٍ ولا منظارٍ. لعن أبي الطماطم ذات عام لعين. عرض الفيلم أرضا أخرى تحمل نفس القصة. وإن جاهدت كي لا أدغم الحكايتين في فرجتي إلّا أنني وجدتني أخلط بين أحداث الشاشة والأحداث برأسي. غرقت. لعلّ الأمر خوّل لي أن أتمثّل هويّة فلّاحي الفيلم بشكل أعمق.


عبد الله: في تمثيل الهوية في الأفلام، نجد دائمًا صعوبة في التمثّل؛ فحين يقرر المخرج اختيار فلاّحين لتمثيل دائرة الإنتاج، كما في فيلم الطماطم، لا يسعنا إلا أن نقول أن اختيار رجل في منتصف الثلاثينيات، يمتهن الفلاحة لا لارتباط روحي بالأرض، بل لأنّه يريد أن يصير ثريًا، لأنه يريد أن يتزوج، هو اختيار ذكي. ويتبين هذا الذكاء في مشهد الافتتاح، حين يبدأ هذا الفلّاح بالحساب؛ لا حساب المنتوج ولا الأرض، بل حساب ما قد يحتاجه من مال لزواجه. وهي مقاربة جريئة تُظهر لنا ببساطة أنه لا يرى في الفلاحة فعلًا روحيًا أو صلة ذاتية بالأرض، بل وسيلة واحدة غايتها الزواج.


نهى: لمّا نتعرّف في الافتتاحية على الشخصية الرئيسية، نراها تتكئ على جدار ‘الجابية’، بين أكياس السماد الكيميائي: ملاذها. ثم فعلا تباشر بحسبةٍ تستعصي عليها. أرقام اتضح أنّها مبالغ لحم العرس فعكست أولويّات صاحبها: الفلّاح. أتستقيم كلمة « فلاح » هنا؟ تمثّلت الشخصية في هواجسها المادية وتحقُّقِيّتِها الاجتماعية. غُصْت فيها قبل أن أغوص في توثيق الطماطم المرتقب. فوجدتها غائصة في ذاتها، في اغتراب تامّ.

عبد الله: وأرى أنّ هذا الاختيار بارع، لأنّ الحديث عن الفلاحة غالبًا ما ينحصر بين صورتين: فلاح فقير، صوفيّ المزاج، لا يعنيه الثراء ولا يطلب إلا قوته بأقل ضرر؛ أو فلاح ثريّ لا يرى في الأرض سوى طريقا نحو مزيد من الثروة. وننسى أن أغلب الفلاحين في تونس يملكون أراضيَ بمعدل خمس هكتارات، وهو عدد لا بأس به، وهم الأغلبية من ناحية العدد. أي أن من نراه في الكاميرا هو، في رأيي الشخصي، ذلك الرجل الذي تتوقع أن تراه إذا بحثت عن فلاح طماطم: الرأسمالي الفقير (الزوالي)، أي أفضل تمثل واقعي ومباشر من منظوري.


نهى: فعلا كان التمثيل وفيّا، وفيّا بدرجة يمكن أن تصدم البعض. في مشهد من الوثائقيّ: على حافّة السانية، يقف فلّاحانا معًا. يخلطان الأدوية. يناقشان حسبة لا تنتهي. يمارسان طرقًا يخترعانها على السليقة. مسافتان تفصلهما عن الأرض؛ صحراوية وفكرية.
« ماللي وليت نزرع الطماطم عِفْتْها »، يعلن فلّاحُنا الأوّل. فتسقط كلّ قيم النّبل الملتصقة بصورتنا عنه. يبقى تحتها فقط عاملٌ باحث عن الربح، وسط مجموعات من العمّال، وسط نظام عمل ضخم. يحدّثنا فلّاحو الفيلم عن هذا النظام. فيذكرون « المعمل » مرارا؛ هذه الكينونة الغامضة التي لا نرى أو نسمع عن أطرافها شيئا، لكنّها تبسط ظلّها فوق الكلّ، وترغمهم على الانخراط في إفساد الأرض. « حوت يبلع حوت » يقول أحدهم أخيرا. بعد الحصاد. لمّا يتسنى لهم أن يتجالسوا ويعبّروا أخيرا عن « تذمّر سياسي »، لا تذمّرٍ للتذمّر. هل توفّرت لفلاحي وثائقيّنا فرصة ابتلاع حوت؟ أم أنّهم رغم التسلّقات/الاجتراءات لم يفلحوا؟ بمعنى؛ يبدو أنّ الفيلم يضعنا أمام خيارين: إمّا أن نساند الفلاح الحوت الصغير منعدم الحيلة في قعر السلسلة الغذائية أم أن ننتقد انخراطه في المنظومة المبتلعة الأكبر. لكن هل أنّ قراءة أخلاقيّة للفيلم تستقيم بالأساس؟ ألا يبسط خيارٌ ثالث نفسه أمامنا؟ أن نتجاوز الأحكام الأخلاقية-السياسيّة، أن نتماهى مع المعضلة النفسية للشخصيات. أن نستَقِيَها بما حملته من صدق ووحدة واشتكاء. فنعيش الفيلم كتجربة نفسية مهما كان فريق الأحكام الذي إليه انضممنا. ولو سمحنا لأنفسنا بافتراض ‘نيّة الفيلم’ وصانِعته، قد نزعم أنّ هذه الرؤية المُتمَاهِيةَ أقربُ ما يمكن لقصد الفيلم الأوّل.


عبدالله: وهذا فعلا ما نراه: فلاحان يخلطان  الأسمدة اللاعضوية، والأدوية الكيميائية وكأنهما يصنعان ترياقا سحريا. هذا الفعل هو نتاج طبيعي للهلع و الرعب الذي يعيشه كل فلاح يوميا، الخوف المتواصل من الإفلاس مع غياب وسائل المعرفة. يصنعان منتِجا ( أو فلاحا في سياقنا ) يخلط ما تيسر له لكي يضمن كميات إنتاج محترمة ، و ذلك مع أنه يعي أن ما يصنعه هي السموم التي سيغذّي بها الناس. و في نفس المشهد يمتد هذا الوعي إلى أن يخلق مسافة بينه وبين فاعله؛ و كأنه لا يعي ما يعمل فيعلق مازحا أنّ ما يضعه في أرضه ‘ »سكّر » …  وهو فلاح لا يثق في أي مؤسسة علمية ، ولكن يثق بما يراه في الانترنت من معلومات مسقطة قد لا تتماشى مع وسائل الإنتاج التي يمتلكها ، قطيعة مرعبة نراها في عدة مشاهد ولكن، كما تقولين يا ريم، تصل القطيعة إلى أشدها في مشهد خلط الأدوية. دون أن ندخل في جدلية أخلاقية، نرى المعضلات الوجودية والفكرية للشخصيات بشدة ، و تتواصل في مشهد اللقاء الثلاثي الأخير بين الفلاحين.


نهى: زراعة الطماطم تصنع همّا وتضعك وسطه. فالوثائقيّ لم ينظّر لنا خارج مُحادَثاتِ وقصّةِ وهمِّ الفلاحين الثلاثة. تجعل الطماطم الهمّ فرديّا. دوامة تبتلعك فلا تبصر همّ من حواليك. لا جامعات الطماطم، لا العائلة، لا العروس، لا النظام الأكبر. فكّرتُ في البداية أن الوثائقي فشل في تبليغ المعاناة الجماعية، لكن ربما في ذلك توضيح لعزلة الفلاحين الثلاثة في معاناتهم النفسية. رحلة ذهنية. فتناسق مع ذلك. لكنه تناسق دون نقاش أو إعلان، ممّا يشكّك في صدق أو وعي الوثائقي بما فعله.
عبد الله: يعني، في نهاية الأمر، هذا الفيلم هو بلورة قيدوية و تجربة حسية ، أي أنه يمكن أن يشعر بثقلها حتى من لم يعش تجربة شخصية في إنتاج الطماطم. هذا الفيلم لا يجمّل و لا يقبّح الفلاحة العصرية، و لا يلوم مباشرة إحدى حلقات الإنتاج ، لأن الجميع مخطئ ، و الجميع يحاول أن ينجو من الماكينة. و لكن في النهاية نعي كلنا من تسبب في صنع هذه المعاناة، أي أن الصناعة و الإنتاج المتواصل هما المعضلة، والحل أبسط مما نتخيل و هو أن نكون أكثر رشدا كمستهلكين.

خاتمة
لم تبدُ مشاهد خدمة الأرض ولا مشاهد عمليّة الزراعة كمحور للفيلم. إنّما احتلّ تفكيرُ ممارسيها؛ حساباتهم وهواجسهم المساحة الأساسية. أثناء المشاهدة، لست تتابع تمشّي سلسلة الإنتاج ولا العمل العضليّ، بل أفكارًا. تتحوّل حبة الطماطم إلى فكرة إفلاسٍ وتتحوّل خدمة الأرض إلى فكرة معاناة من أجل البقاء. تَفقِدُ الثمار والأرض مادّيّتها كي تحتلّ بعدا معنويّا في أذهاننا.